تطبيقات التواصل الإجتماعي

نجتمع أنا و إخواني وأخواتي كل يوم جمعة من كل أسبوع  في منزل والدي، حيث تقوم والدتي الحبيبة بتحضير طبق غداء مشبع بالحب والحنان لنا كالأيام السابقة عندما كنا صغارآ، لذلك نعشق هذا اليوم في الأسبوع، وكلما تقدمنا في العمر نعشقه أكثر وأكثر… ونجتمع معآ في منزل الأسرة الذي أعشق رائحته فله رائحة مميزة أعرفها جيدآ وكل غرفة من غرف المنزل لها رائحة خاصة بها لم تختفي، منذ كنت فتاة صغيرة ألعب بالدمى… نجتمع في هذا المنزل كما كنا صغارآ ونجلس ونتحدث مع والدي الحبيبان، وتأتي لحظات لا يكون في الغرفة إلا نحن الخمسة مع والدينا، ونضحك ونقول لبعضنا لنغلق الباب حتى لا ندع أحدآ آخر يدخل الى الغرفة ويذكرنا بأننا افترقنا وتركنا هذا العش الحنون وتوجه كل منا الى بناء حياته الخاصة… 

وبالرغم من لهفتنا لهذا اليوم المميز في الأسبوع واشتياقنا للتحدث مع بعضنا البعض، وتفقد أحوال بعضنا البعض، تأتي لحظات كثيرة يكون الجميع فيها منهمكون بالنظر الى هواتفهم وليس في التحدث الى بعضهم… أو بعضهم يتحدث والآخر يحدق في جواله وأنا منهم طبعآ. والمشكلة أن هذه اللحظات ليست فقط لحظات اذا قمت بجمعها، فإنها سويعات أو ساعات… فهذا يدل أننا لا نعيش الجو بأكمله ولا نعيش اللحظة بأكملها ولا نشبع أنفسنا ببعضنا وبهذا الجو وكل ذلك بسبب ادماننا على الهواتف النقالة وتطبيقاتها. لذلك أشعر بأن مواقع التواصل الإجتماعي وتطبيقات الهاتف الأخرى تسرق أجمل لحظات حياتنا…

أشعر أن هذه آفة جديدة أصابت مجتمعنا ومجتمعات أخرى عديدة اسمها إدمان الجوال وتطبيقات التواصل الإجتماعي، فبقدر ما هي مغرية ومريحة أرى أن أضرارها أكثر بكثير من فوائدها، لأن من السهل جدآ إساءة استخدامها ومن الصعب جدآ استخدامها بالوجه السليم. وبالرغم من رأيي السلبي تجاهها إلا أنني أدرك أنه لا غنى عنها وأقدر ضرورة تعلم استخدامها من قبل الجميع لأن عصرنا يتطلب ذلك، وفي نفس الوقت لها جوانب إيجابية عديدة. لكن الذي أحاول أن القي الضوء عليه، هو ضرورة التحكم بها وعدم جعلها تتحكم بنا…. لذلك قررت أن أقوم بوضع خطة للتحكم باستخدامي للجوال وتطبيقاته عوضآ عن الإستغناء نهائيآ عنها…

المشاكل التي يسببها الإدمان على الهواتف وتطبيقاتها

أكره الشعور بأنني مدمنة على الهاتف وتطبيقاته وأشعر بأن له تأثير سلبي على حياتي ومن هذه السلبيات:

اولا: لا تعيش اللحظة، فيتشتت انتباهك بين عدة أمور ، ويتكرر هذا الأمر بعدد مرات تفقدك لهاتفك، مما يؤثر بشكل سلبي على نوعية تجاربك وحياتك بشكل عام.

ثانيآ: قلة او انعدام التركيز وبالتالي قلة الإنتاجية أو العمل سواء في أعمال المنزل أو مكان العمل نفسه، فكثرة الانتقال من مهمة الى أخرى يؤثر على دقة ونوعية وكمية العمل الذي نقوم به. 

ثالثآ: تظهر العديد من الدراسات العلمية الحديثة بأن الأشخاص الذين يقومون بتفقد بريدهم الالكتروني أو موقع التواصل الاجتماعي بصورة متكررة يعانون من مظاهر التوتر والقلق بشكل أكبر من غيرهم. إذا لا حظت أن التوتر أو القلق عال عندك فمن الممكن أن يكون بسبب إدمان الجوال.

رابعآ: التأثير بشكل سلبي على علاقتك بالآخرين، فإذا كنت من النوع الذي يتفقد هاتفه باستمرار أثناء تواجدك برفقة أحدهم، فأنت لا تمنحين ذلك الشخص كل اهتمامك، مما يؤثر على نوعية التواصل بينكما وبالتالي على نوعية العلاقة. وكمثال على ذلك، ما حدث بيني وابني الصغير في إحدى الأيام… كان يحاول أن يتواصل معي ولم أكن هنالك معه حيث كان عقلي مع هاتفي. ولاحظت انه بدأ بالإنزعاج والبكاء مع أن التواصل مع ابني في ذلك الوقت كان أهم من التواصل مع أي شخص آخر، فهو يحتاجني أكثر من الآخرين. لكن يحدث عندنا سوء تقدير للأمور بسبب الإدمان الذي يسببه التطبيقات الموجودة على الهواتف، أو بالأحرى عدم تقدير… ولحسن الحظ انتبهت لما حدث ولولا ذلك كان من الممكن أن أقنع نفسي بأن ابني نكد ويبكي من دون سبب، لكنني انتبهت أنه يحتاج الى الاهتمام والتواصل مع والدته وانتبهت الى الخطأ الذي وقعت فيه. وأعتقد أن العديد من الأمهات يقعن في الخطأ نفسه…

خامسآ: تلقي المعلومات الخاطئة،  فالمعلومات التي نتلقاها مهمة لأنها تؤثر في أنفسنا كما يؤثر الطعام الذي نتناوله في خلايانا وأجسامنا. فهي تؤثر في طريقة تفكيرنا ثم في مشاعرنا فيمتد هذا التأثير على قراراتنا، وبالتالي حياتنا… ولاحظت أننا نسمع الكثير عن مخاطرها على أطفالنا، ولكن ليس على أنفسنا كبالغين. أعتقد أننا كبالغين نسيء تقديرنا لأنفسنا فنحن نتأثر بشكل كبير بما نسمعه سواء بوعي منا أو بلا وعي … تعتمد تجارة بمليارات الدولارات على نشر الأخبار المزيفة، حيث يقومون باستغلال الدراسات المتعلقة بالسلوك البشري لنشر هذه الأخبار المزيفة بشكل مثير وملفت بأفضل طريقة بين الناس حسب ميول كل شخص. تخيلي أنك كلما ضغطتي على رابط خبر معين تساهمين بزيادة ثروة أولئك اللذين ينشرون الأكاذيب ليحصلوا على الأموال…

نحن موجودين في زمن information overload اي أن زماننا هذا فائض بالمعلومات التي تتزايد يومآ بعض يوم، حيث يتم تعريضنا للمعلومات التي تناسب ميولنا مما يشجعنا على الإدمان عليها أكثر وأكثر. لذلك ينبغي أن تختار المعلومات التي نتلقاها بحكمة… أعتقد في زمن كثرة المعلومات هذا من الصعب انتقاء المعلومات الأفضل من بين الآلاف من المعلومات فما بالك بالذين يتلقون أي شيء يصلهم عبر تلك التطبيقات المختلفة… وحيث أن الكثير من المعلومات التي تصلنا مع عشوائيتها تكون رسائل موجهة تنشر لأسباب محددة، ولمصالح جهات غير أخلاقية في معظم الأوقات… 

خطتي للتحكم باستخدامي للجوال وتطبيقاته

أولآ.. قمت بكتابة قائمة بجميع التطبيقات على هاتفي، وقمت بالتفكير مليآ في كل تطبيق هل أنا بحاجة إليه أم لا؟ هل يضيف شيئآ إيجابيآ الى حياتي أم استخدمه لوجوده فقط بدون وعي؟ قررت بعدها إبقاء بعض التطبيقات مثل الوتساب وإلغاء بعضها نهائيآ وإلغاء بعضها عن الهاتف لكن القيام باستخدامها عن طريق الكمبيوتر مثل الفيسبوك والتويتر.

ثانيآ… لا أمس الهاتف نهائيآ في فترة الصباح الباكر بعد استيقاظي من النوم، إلا بعد قيامي بعدة أمور أساسية من روتيني الصباحي. فقد لاحظت في الصباح أنني أكون بقمة التركيز والصفاء الذهني حتى أقوم بتصفح تطبيقات التواصل الإجتماعي على هاتفي، لذلك أتجنبه خلال أول ساعتين من الصباح. وأتفقد الواتساب مرة قبل ذهابي للعمل.

ثالثآ… أثناء العمل أتفقد الواتساب مرتين في وقت الظهيرة وقبل نصف ساعة من مغادرة العمل.

رابعآ… بعد عودتي من العمل أمنح انتباهي لمدة ثلاث ساعات لطفلي الصغير ولعائلتي لا أمسك الهاتف أبدآ (طبعآ إلا للإتصال أو تلقيه) أثناء تلك الفترة. لأنها الفترة التي نلتقي بها بعد العمل وهي فترة الراحة من الشاشات وفترة الغداء أي من الساعة 4:30 حتى الساعة 7:30. حيث أتفقد تطبيقات التواصل الإجتماعي في الهاتف مرة واحدة. 

خامسآ… بالنسبة للتطبيقات التي أستخدمها من خلال الكمبيوتر أتفقدها مرتين في اليوم مرة في الصباح قبل التوجه الى العمل ومرة في المساء لمدة نص ساعة تقريبآ كل مرة، وذلك لأنها متعلقة بموقعي الإلكتروني، ومتابعي.

سادسآ:…أثناء زياراتي الإجتماعيه وخاصة في يوم الجمعة عند عائلتي لا أمس الهاتف نهائيآ إلا للضرورة القصوى. وأحب أن أمنح أي شخص أمامي كل انتباهي.

ماذا استفدت بعدما قمت بالتحكم باستخدامي للهاتف وتطبيقاته بعد أسبوع 

  1. استمتع بشكل أكثر بأي شيء أقوم به حيث أعيش اللحظة بشكل أفضل، مما يساهم في شعوري بالسعادة بشكل أكثروقد كتبت مقالة حول العيش باللحظة وأهميته للشعور بالسعادة هنا.
  2. زيادة التركيز أثناء عمل أي شيء وبالتالي رفع جودة ما أقوم به من أبسط الأشياء كترتيب المنزل الى الكنابة في مدونتي، وهذا يساهم في نفس الوقت في إنهاء أي عمل في وقت أقل.
  3. شعرت أني أهدأ بشكل عام، وأحسست فعلا أن شدة التوتر قلت عندي.
  4. أصبحت أمنح الأشخاص أمامي كامل اهتمامي، وأحسست في الفرق في تفهمي لآراءهم ونفسياتهم بشكل عام. بالنسبة لي أجمل لحظات حياتي هي التي أقضيها مع اللذين أحبهم حيث أتواصل معهم بأكبر قدر ممكن وأستغل كل لحظة برفقتهم.  وفعلا لقد كان آخر يوم جمعه قضيته في منزل والدي مختلفآ جدآ عن الأسابيع الماضية فقد استمتعت به بشكل أكبر برفقة عائلتي.
  5. أحسست  أنني عندما أحمل الهاتف في الأوقات التي حددتها أصبحت أستمتعفي استخدامه بشكل أكبر، وذلك لأنني أصبحت أعتزله لفترة جيدة، وعندما أعود له أجد المتعه في استخدامه مرة أخرى. 

بعد التجربة قررت أنني لن أستغني أبدآ عن هاتفي وتطبيقانه، لكن سأقوم دائمآ بالحد من استخدامه وربما سأقوم مرة في الشهر بالتخلي عن جميع تطبيقاته لمدة يومين أو ثلاثة وأعود لاستخدامه واستمتع به مرة أخرى، وأنصحكم جميعآ بالقيام بذلك…

 

من تأليف : زين

اترك تعليق

اترك رد