قدمت الى هذه الدنيا إنسانة حرة، كحالنا جميعآ. إنسانة كاملة تملك كآفة الحقوق، وعندها قوة إرادة وإمكانيات لا تعد ولا تحصى، وعندها حب للحياة. تملك القدرة على تحقيق أشياء تعتبر من المستحيلات عند معظم الناس، هي جميلة ومميزة وذكية وفريدة من نوعها، وليس لها مثيل…

كبرت في عائلة تعتبر عائلة عادية، تحبها والدتها حبآ شديدآ، لكنها مشغولة عنها بعض الأحيان بمشاكلها الخاصة، فهي مصابة بإكتئاب خفيف منذ أن ولدت آخر طفل لها، فاصيبت باكتئاب مابعد الولادة ولم تتعالج منه لأنها لم تعرف أنها مصابة به من الأساس. هي في العاشرة من عمرها، تحاول أمها تقديم كل ما تعتقد أن ابنتها تحتاجه من طعام ولباس وتعليم، وتجلس معها ويتحدثان ويلعبان معا بعض الأيام.

الأم لم تقل يوما لابنتها بأنها جميلة، فكبرت معتقدة بأنها ليست جميلة. كانت النجمات اللواتي يظهرن في التلفاز هن الجميلات فقط، وطبعا كل من يشبههن في أشكالهن. أما هي فتاة عادية أو مقبولة الشكل، لأنها لا تشبه تلك النجمات اللواتي يشبهن بعضهن البعض في معظم الأحيان. هي تشعر أنها ليست جميلة كغيرها لذلك تعتقد أنها لا تستحق الحب، وأن الزواج بالنسبة لها سيكون زواجآ تقليديآ.

يكن لها إبن الجيران حبآ منذ طفولته، وهو يكبرها بستة أعوام. وهي لا تعلم ذلك ولم يخطر لها بأن أحدا سيحبها، لأنها في قرارة نفسها تعتقد أنها لا تستحق ذلك.  فباعتقادها عيناها صغيرتان، والجمال كما تعلمت عنه يتطلب عينان واسعتان. والنقيض بالموضوع أن أول ما لفت اهتمام إبن الجيران فيها هو عيناها الصغيرتان الناعمتان، واللتان كان يشعر أنهما أجمل عينان رآهما في حياته. حاول عدة مرات أن يلفت انتباهها فكان يقف كل صباح مستندا على عمود في طريق ذهابها الى المدرسة، يقوم بحركات خفيفة كرمي حصوة صغيرة باتجاهها. كانت تنتبه الى وجوده دائما، لكن لم يخطر ببالها أبدآ انه يفعل ذلك لأنه يهتم بها، ولماذا يهتم بها بينما هنالك فتيات أجمل منها في ذلك الحي، واللواتي يذهبن الى المدرسة من الطريق ذاته.

هي تحب مادة العلوم في المدرسة، وعندها اهتمام خاص بعلم الفلك فهي تعشق السماء خاصة بالليل. تعلمت بنفسها الكثير عن النجوم والكواكب والمجرات، لأنها قررت أنها ستتخصص في علم الفضاء، وربما اذا حالفها الحظ ستصبح رائدة فضاء ذات يوم… قررت أن تبدأ في دراسة ذلك العلم منذ الصغر، فبالرغم من صغر سنها فقد أدركت أنها أذا قامت بدراسة القليل عن ذلك الموضوع كل يوم تكون قد تعلمت الكثير عندما يحين موعد ذهابها الى الجامعة. أسعدها ذلك الهدف الذي وضعته لنفسها سعادة لم تشعر بها من قبل.  

في يوم من الأيام قررت إخبار والدتها عن حلمها وكانت في الحادية عشرة من عمرها آنذاك. اعترفت لوالدتها: أمي أريد أن أصبح رائدة فضاء… وكانت والدتها وافقة تغسل الصحون بعد الغداء، ضحكت و بدون تفكير قالت: آآآآآخ نحن النساء مكاننا في المطبخ لتحضير الطعام وجلي الصحون!!! في تلك اللحظة، تخلت عن حلمها، لأن الشيء الوحيد الذي كان يخيفها هو أن أخواتها وبنات أعمامها وبنات جيرانها، إما تزوجن مباشرة بعد إنهاء المدرسة، أو تزوجن بعد إنهاء الجامعة وكان مصيرهن ربات بيوت فقط،  فكانت تخاف أن لا يكون مصيرها مختلفآ جدآ عن مصيرهن. أكد لها تعليق والدتها أن مخاوفها واقع لا بد منه، لأن ماما تعرف كل شيء!!! كبرت فتاتنا المميزة التي كان بمقدورها أن تصبح أول فتاة عربية تصعد الى الفضاء، لكنها تركت تلك الغاية، وقضت معظم أوقاتها تقرأ روايات الحب الرخيصة كبقية زميلاتها في المدرسة، بالإضافة الى مساعدة والدتها في المطبخ…

تخرجت من المدرسة لا تعلم ما هي وجهتها، وماهي أحلامها، وماذا تريد من الحياة. حتى جاءها العريس إبن الجيران الذي كان يحبها سرآ، فقد تقدم لخطبتها. وافق والداها ووافقت هي أيضا لأن ابن الجيران كان وسيما ذات سمعة طيبة، وكان يعمل في مهنة جيدة بدخل ممتاز، وقتها أحست أنها ملكت الدنيا. خلال أشهر الخطبة أخبرها عن حبة القديم لها، لكنها في قرارة نفسها لم تصدقه، لأنها في اللاوعي كانت تعتقد بأنها لا تستحق الحب خصوصا من رجل كامل الأوصاف مثله.

بعد أشهر قليلة تزوجا، الشهر الأول كان رائعا، لكن بعد ذلك بدأت المشاكل عندما أصبحت تشك في إخلاصه لها كلما تأخر في العمل، أو كلما تلفت يمينا أو شمالا في طريقهما الى السوق أو لزيارة الأقرباء. لم يحتمل شكها فقد سبب له ذلك ألما شديدآ، فهو كان مخلصآ لها منذ صغره فكيف يخونها بعدما أصبحت زوجته! ولم يخطر بباله أبدآ أن المشكلة ماهي إلا قلة ثقة بالنفس عندها، ففي نظره هي كاملة لا ينقصها شيء. لكنه لم يحتمل شكوكها، معتقدآ بأنها لا تثق به لأنها تشعر بأنه لا يستحق الثقة، وأنها ترى فيه عيبآ. وتفاقمت المشاكل، حتى أدى ذلك الى انفصالهما مؤقتآ، ورجوعها الى منزل أهلها بعد ستة أشهر. جلست في تلك الليلة بجانب نافذة غرفتها كانت الشمس قد غربت للتو وبدأت النجوم بالظهور، تذكرت وقتها الحلم الذي تخلت عنه في الحادية عشر من عمرها، وبكت بمرارة…

هل تعرفون من هي هذه الفتاة؟؟؟

إنها أنت وأنا وجميعنا نحن النساء، فهي موجودة فينا جميعآ حتى ولو في جزء بسيط منا… نأتي الى هذه الدنيا بقدرات غير محدودة وبحماس وإرادة وحيوية لا تقهر، لكن شيئا فشيئا يتم كتم هذه القدرات من قبل أهلنا.. فكم مرة نقول للطفل إجلس، توقف، لا تذهب الى هناك، لا تلمس هذا وذاك… ثم يأتي دور مجتمعنا فنفقد الثقة شيئآ فشيئآ بأنفسنا، ونعتقد أن هنالك مسارآ محددآ ينبغي أن نمشي وفقآ له، ولا يهم ما هي رغباتنا وأحلامنا وميولنا، ينبغي أن نمشي بحياتنا وفقآ لما تعيش به النساء في مجتمعاتنا، فقدراتنا محدودة وخياراتنا معدومة! عندما تسألين طفلآ صغيرآ عن أحلامه يتكلم عن أحلام عظيمة وغير منطقية بل ومجنونة أحيانآ، ولكن عندما تسألينه نفس السؤال بعد أن يكبر يجاوب بأنه لا يعرف أو بحلم متواضع جدآ. أي إنسان يستطيع فعل أشياء عظيمة، لماذا التواضع في الأحلام؟!

خلقنا في أحسن صورة وكل إنسانه فينا جميلة بطريقتها الخاصة، ومميزة لأنه ليس لها مثيل، فجمالها لا يقارن بجمال أخرى، لأن كل واحدة فينا مختلفة وهذا هو الجمال بذاته. لكن المجتمع يحطم فينا تلك الحقيقة فيقارن النساء ببعض، ويقرر من الأجمل من الأخرى. والإعلام قام بتحديد الصورة المثالية للمرأة، فينبغي أن تبدو على هيئة معينة حتى تكون جميلة، وقاموا باختراع مسابقات ملكات الجمال. ففقدت معظم النساء الثقة بأنفسهن وربطن جمالهن باستحقاقهن أو عدم إستحقاقهن للحب، مما أثر سلبيآ على ثقتهن بأنفسهن وعلاقاتهن مع الناس، وخاصة علاقاتهن مع أزواجهن…

ليست هنالك امرأة أجمل من الأخرى، وهذا ينبغي تعزيزه عند الفتيات الصغيرات، كل أم ينبغي أن تخبر ابنتها بأنها جميلة، كل يوم، لأنها كذلك فعلا، ولأن كل فتاة مميزة. وهذا سيكون له أكبر الأثر على ثقتها بنفسها وبالتالي سينعكس إيجابيا على حياتها وعلاقتها الزوجية المستقبلية. بالإضافة الى ذلك ينبغي أن تؤكد كل أم لأطفالها أنهم قادرين على تحقيق جميع أحلامهم، مهما كانت كبيرة، إذا سعوا الى تحقيقها فليس هنالك حدود لقدراتنا.

أما بالنسبة إلينا ينبغى علينا جميعا أن نتوقف للحظة وأن نفكر… هل نعيش الحياة التي طالما أردناها؟ هل نملك الثقة بأنفسنا؟ هل تركنا أحلامنا وراءنا وعشنا الحياة التي رسمها لنا المجتمع؟ هل هنالك حلم تخليتي عنه في الماضي يدغدغ خيالك من حين الى آخر؟ إذا كان هذا حالك، آن الأوان أن تسعي وراءه وتحقيقه مهما كلفك ذلك… الذين سعوا الى تحقيق أحلامهم وحققوا أشياء عظيمة، لم يفعلو ذلك لأنهم يملكون قدرات خارقة، أو بسبب حظ عجيب كان من نصيبهم، إنما حققوها لأنهم عرفوا ماذا يريدون وآمنوا أنهم يستطيعون الوصول إليه، ثم سعوا الى تحقيق ذلك خطوة بخطوة، جميعنا لدينا القدرة والإمكانية والحق لفعل ذلك مهما كان وضعنا في الحياة…

لأنك مميزة وجميلة وقوية فأنت تستحقين الأفضل…

 

 قد تعجبك هذه المقالة: ما الذي يؤخر تحقق أحلامنا؟ وكيف نجعل أحلامنا تتحقق بسرعة؟

 

من تأليف : زين

اترك تعليق

اترك رد