ونفخت فيه من روحي

تشعرني حقيقة أن الله تعالى نفخ من روحه في سيدنا آدم عليه السلام بالرهبة دائمآ… عندما أفكر أننا نحمل فينا روحآ مصدرها الله عز وجل أشعر بالرهبة والدفء.. لهذا نقول إنا لله وإنا إليه راجعون فنحن ننتمي له أتينا الى هذه الحياة وسكنا الأجساد لنتمكن من العيش في الأرض لغاية اختبارنا. ثم في مرحلة ما سنترك هذه الأجساد المؤقتة ثم نرجع الى الله الى الأصل الى الوطن الأول والأخير … ولهذا السبب فإن أجمل شيء ممكن أن يحدث للإنسان هي رؤية وجه الله تعالى. فهو الأصل الذي ابتعدنا عنه وطالما اشتقنا إليه بوعي منا أو بلا وعي… تسري قشعريرة في جسدي عندما أفكر بذلك…

ما هو أصلنا

أشعر أننا ينبغي أن نفرق بين العالم المادي، أي أجسادنا، والعالم الذي نعيش فيه، وبين أرواحنا التي أهملناها. حيث ركزنا أكثر على الجزء المادي… الروح أصلها الله فلن ترتاح إلا إذا تقربنا منه. لذلك قال تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) عندما نغذي أجسادنا بكل ما يلزمها ونهمل الروح التي تشتاق الى أصلها، فإننا نشقى فلا نطمئن ولا نرتاح أبدآ إلا إذا تقربنا من الأصل الله تعالى، حبيب الروح…

خلال أمور حدثت في حياتي كنت أتحدث الى الله، وكنت أشعر بأنه يسمعني وكان هذا شعورآ خاصآ مختلفآ عن كل شيء آخر… الآن وأنا أكتب هذه الكلمات أشعر أنه كلما أطلب من الله طلبآ دنيويآ ويحققه لي، أتخيل كما لو أنني طفلة في الثالثة من العمر، أشعر بالسعادة لقطعة الحلوى التي حصلت عليها. أليس كل شيء آخر في هذه الدنيا كقطعة الحلوى تلك؟ خاصة الماديات التي تذهب لذتها بعد فترة قصيرة جدآ، وحتى ونحن نتناول تلك الحلوى نفكر بالقطعة التالية!

أشعر أنني تغيرت الى الأبد بعد إدراكي لهذه الأمور . أعتقد أنني أشعر بروحي داخل جسدي أو يخيل إلي ذلك… لكن من الآن فصاعدآ سأشعر أو سأفكر بروحي طوال الوقت وأوليها الإهتمام مثلما أولي جسدي أو أموري الدنيوية الإهتمام وأكثر… سأشبع روحي بما تحتاجه مثلما أشبع جسدي وحاجاتي الدنيوية كل يوم…

بإمكاننا أشباع رغباتنا والعبادة في الوقت ذاته

والعظيم أن الإنسان يستطيع في كل شيء يفعلة (طبعآ بما يرضي الله) كتربية الأولاد وتنظيف المنزل والعمل وزيارة الأقرباء، وحتى تحقيق أحلامه، أن ينوي فعله لوجه الله. وبهذه الطريقة يستطيع إرضاء حاجاته الدنيوية والتقرب من الله وإشباع روحه في الوقت ذاته. فسبحان الله لا يوجد تعارض بين إشباع رغباتك الدنيوية وإشباع روحك بإرضاء خالقها… ثم يأتي الدور لأن تعطي روحك حقها بما تحتاجه من التقرب الى أصلها الى الله تعالى… وتخيل الفرق بين أي عمل تفعله لمجرد أن تفعله وبين أن تفعل الشيء ذاته لكن بإضافة نية العبادة لله في ذلك، سيكون هنالك فرقآ شاسعآ…

عندما أفكر كم هي رائعة هذه الدنيا بطبيعتها بجبالها وبحارها ونجومها وروعة الشروق وغروب الشمس والمطر والثلج وأزهارها وأشجارها وطيورها وحيواناتها، وعلاقاتها الإنسانية والمشاعر كالحب والصداقة ومشاعر الأمومة وروعة العلم والتعلم والفضول والإنجاز والمال والطعام والشراب والعطور المختلفة، إنها أشياء عظيمة ورائعة. وبالرغم من ذلك كله فهي الحياة الدنيا. فبالرغم من عظمها فهنالك شيء أعظم بأضعاف مضاعفة، وهي الحياة التي سننتقل إليها بعد أن ينتهي إختبارنا، وطبعآ نستطيع أن نشعر بجزء منه ونحن لازلنا على الأرض بالتقرب الى أصل روحنا الى خالقنا…

وكم هو عظيم خالقنا هو رحمن رحيم هو الجميل هو الرؤوف هو السلام هو السميع القريب … فقد قال تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ها هو هنا فلنتحدث معه ونطلب منه أن يهدينا الى الصراط المستقيم فهو المجيب وهو الكريم القادر على كل شيء…

جميعنا لله فلنتقبل بعضنا البعض

وبما أنني لله فإن جميع الخلق لله لذلك فلنقدر ولنحترم هذه الميزة فينا وفي الآخرين. لا ينبغي أبدآ أن أشعر أنني أفضل من أحد. فأنا جزء من الكل والكل جزء مني فأصلنا واحد ومصدرنا واحد. فلنتواضع جميعنا وندرك أن لكل إنسان قصة مختلفة، وهو متواجد في مرحلة مختلفة وظروف مختلفة، لا يعرفها إلا خالقها. فلنتوقف عن الحكم على الآخر، فالله العليم نهانا عن الغيبة والنميمة… فلنتوقف عن الغيبة حتى في أنفسنا، فلنتوقف عن الحكم على الآخر في قلوبنا وليس فقط بألسنتنا… فلنحترم الآخرين خاصة المختلفين عنا من مختلف الأعراق والجنسيات والأديان والمذاهب. بل فلنحبهم فهم جميعآ لله مثلما أنا وأنت لله، ونتمنى لهم ولنا معرفة الله على أحسن وجه واتباع الحق في مرحلة ما …

اذا كرهت إنسانآ لأنه ينتمي الى ديانة أخرى أو مذهب آخر، أو لأنه لا ينتمي الى أي ديانه أو حتى لا يؤمن بوجود الله، فحتمآ سيشعر بكرهك له أو عدم تقبلك له. حتى إذا لم تقل له ذلك بلسانك، فذلك سيظهر في حركاتك وفي طريقة كلامك أو حتي في نظراتك. وهذا الكره سيؤدي بالمقابل الى عدم تقبله لك ولما تعتقده أو تؤمن به مما قد ينفره من دينك. أما إذا أحببته بالرغم من معتقداته فسيشعر بذلك حتمآ، فسيفتح لك قلبه ويتقبل أفكارك ومعتقداتك، وربما تكون سببآ في اتباعه الحق…

حلاوة الزهد

الزاهدون في هذه الدنيا ذاقوا شيئآ أحلى وأعظم منها لذلك تخلوا عن متاعها.  فهم يستمتعون بشيء أرقى وأفضل وأعظم، وهي إشباع روحهم بالقرب من خالقها وأصلها. لذلك فلنجرب جميعنا ما هو هذا الشعور العظيم الذي استبدلوا به المتاع العظيمة لهذه الدنيا، فلنجرب ونحكم بأنفسنا…

بدأت رحلتي في البحث عن سبل التقرب الى خالقي وإشباع روحي. وأتمنى للجميع ممن لم يصلوا الى هذه المرحلة الجوهرية بالوصول إليها والغوص في بحورها… وكما قال أحدهم نحن لسنا بشر نختبر تجارب روحانية، بل نحن أرواح نختبر تجارب بشرية.

“We are not human beings having a spiritual experience. We are spiritual beings having a human experience.”   Pierre Teilhard de Chardin

من تأليف : زين

    4 تعليقات

  1. Hope مايو 20, 2019 at 12:43 ص رد

    لفتني العنوان فلطالما توقفت عنده و ايقنت انه لابد من وجود طاقات عظيمة فينا لم نعرفها بعد بما ان فينا روحا مصدرها الله العظيم… مقالة رائعة زين

    • زين مايو 21, 2019 at 6:19 ص رد

      شكرآ جزيلآ لتعليقك الجميل Hope… هذا الإدراك يمنح لحياتنا وزنا وبعدآ أعمق… الحمدلله

  2. عبير كتانه يوليو 4, 2019 at 5:39 ص رد

    لطالما راودتني هذه الافكار لكن لم تكن لدي القدره التعبيريه الرائعه التي اسرتي بها خواطري بدقه… كل الاحترام والحب يا عزيزتي

    • زين يوليو 4, 2019 at 6:07 ص رد

      عبير… لطالما كانت لدينا العديد من الأفكار المشتركة، فقد أمضينا أجمل أيام العمر معآ، أشتاق لتلك الأيام وأشتاق لك أكثر …

اترك تعليق

اترك رد