أطفالي

لم أكن أعرف شيئآ عن الخوف إلا عندما أصبحت أما… وكمثال على ذلك، طلبت عدة مرات من أخ زوجي أن يأخذني في جولة في سيارته لأنه يملك سيارة رياضية، يقودها بسرعة جنونية، فأحببت تجربة السرعة. لكنه رفض كل مرة لأنه يخاف أن أصاب بالأذى. لكني لم أكن أخاف، لأني أعرف أنه ماهر جدآ بالقيادة فكنت مصرة طوال الوقت، ولم أتوقف عن الإصرار إلا عندما أصبحت أمآ، لأني ولأول مرة أصبحت أخاف على نفسي من الأذى، لأن طفلي بحاجة إلي، وأخاف أن يضطر أن يعيش بدوني…

أرتعب من فكرة أن يضطر أطفالي العيش من دوني وأن لا أكون موجودة لأحقق رغباتهم، وبالأخص لتهوين مصاعب يمرون بها. أو أن نعيش أوضاعآ صعبة جدآ خصوصآ وأن الأوضاع مخيفة في العالم، ولا سيمآ في البلدان العربية حولنا. فهنالك العديد من الأمهات يفكرن في تأمين الأمان أو الدفْ وحتى الطعام أو الماء لأطفالهم في هذه اللحظة، أي أبسط متطلبات العيش، وهو أمر تقشعر له الأبدان… وبما أن الإنسان لا يعرف ما يخبأه له المستقبل قررت أن أفعل شيئآ لحل تلك المشكلة، وأن لا أجعل هذا الخوف مجرد مشاعر أحس بها من وقت لآخر، وإنما أتصدى لها بخطوات عملية. ومهما حدث أستطيع أن أقول لنفسي أني فعلت ما بمقدوري لحماية أطفالي، وأني لم أقصر من هذه الناحية. قررت أن أغرس في أطفالي منذ الصغر مباديء تعينهم على تحمل المصاعب، حتى لو اضطروا للعيش من دوني، والمباديء كالتالي:

 

  1. الموت جزء من الحياة وهو حق لكل نفس…

    فمن أصعب الأمور التي يواجهها الشخص هو فقدان الوالدين، وأعتقد أن الموت سيكون صعبآ على الشخص المتوفي بقدر عدم تقبل أولاده لموته. لكن الموت حق لكل نفس ولا أعتقد أن هنالك إنسان يحب أن يعيش الى الأبد، فبعد فترة من العيش على هذه الدنيا والإكتفاء منها، يرغب الإنسان أن ينتقل الى الخطوة التانية، الى المرحلة التانية…  فينبغي أن نودع الذين خطوا تلك الخطوة بسلام، آملين أن يومآ ما سيحين ونلتقي فيهم.. فهم لم يندثروا، إنما ذهبوا الى عالم آخر، وسنلحقهم الى هناك عندما يحين موعدنا… فرؤيتي لأمي وكيف أنها تصرفت وتقبلت موت جدتي، أي والدتها، بهدوء ووقار، هيئني ودربني لأتقبل الموت… وأهم طريقة لتعلمي أطفالك تقبل موتك في المستقبل هو تصرفك عند موت أحبائك أمامهم…

 

  1. المصاعب تزيدك قوة وتجعلك تقدر الحياة وتتذوق طعم الحياة بعمق…

    كل صعوبة يمر بها الإنسان لها فوائد قيمة وتزداد قيمة الفوائد كلما ازدادت شدة الصعوبة. فالإنسان لا يدرك قيمة أي شيء إلا عندما ينحرم منه فيعرف قيمته، وبالتالي يعرف كيف يجب أن يتعامل معة ويقدره ويعطيه حقه في المستقبل. وأيضآ لا يتعلم إلا عندما يضطر الى ذلك، أي عندما يواجه محنة أو صعوبة ويضطر للخروج منها وتجاوزها بجهده… ومن المقولات المفضلة عندي والتي أؤمن بها هي مقولة للكاتب البرازيلي باولو كويلو:

    I’m proud of the scars in my soul. They remind me that I have an intense life. Paulo Coelho

    وترجمتها كالتالي: أنا فخور بالجروح الموجودة في روحي، فهي دليل على أني أملك حياة عميقة (أي غنية وغير سطحية). فكما يقول باولو إفتخر بكل التجارب الصعبة التي مررت بها فهي دليل على إنك فعلا تذوقت الحياة بعمقها ولم تعش حياة سطحية. فالإنسان لا يعرف طعم السعادة الحقيقية إلا عندما يذوق الحزن. وبالنسبة لي أفضل الدروس التي تعلمتها في هذه الحياة لم أتعلمها إلا لأنني مررت بتجربة قاسية وجارحة، خرجت منها كما تخرج الفراشة من شرنقة علمتها أن تكون أقوى، لتحلق في السماء. لذلك لا يجب أن لا تحزن عندما تواجه صعوبة ما، بالعكس أنظر للصعوبة كفرصة وأنك محظوظ لاضطرارك لخوضها، وانظر إليها كتحدي وكلعبة تخوضها ولا تستلم لها أبدآ.

 

  1. العلم يزيدك قوة ويمنحك مختلف الخيارات…

     فالإنسان كلما ازداد علما زاد إعجاب وتأثر الناس فيه، ولكن الأهم من ذلك أن العلم يعين الإنسان على النجاح في جميع نواحي حياته. فمثلا إذا تعلمت عن موضوع الذكاء الإجتماعي فإنك ستعلم كيف تتعامل مع الناس، وتفهم مشاعرهم، وبالتالي تنجح بعلاقاتك جميعها من زواج وصداقة وزمالة… وكل شيء آخر يمشي بنفس الطريقة، فاجعل التعلم والفضول بالأشياء من حولك هاجسآ تقضي جزءآ كبيرآ من وقتك فية.

 

  1. الإيمان بالله والقدر خيره وشره…

    ينبغي على الإنسان أن يسعى ويعمل أفضل مالديه، ويدرك في نفس الوقت أنه لا يحدث إلا ما أراد الله لنا. فأي شيء حدث لك حتى لو حدث بيد إنسان آخر، فإنه لم يحدث إلا لأن الله سمح بحدوثه، ولأنه أراد حدوثه. وبهذه الطريقة يشعر الإنسان بأنه إذا ظلم بيد إنسان آخر أو بسبب الظروف، فإن هذا الظلم ما كان قد حدث لو لم يسمح الله بذلك، فيشعر الإنسان بطمأنينه ويتقبل الأمر، لأن الأمور ليست بيد إنسان آخر وليست صدف وإنما بيد الله وبإرادته. مررت بتجربة في حياتي كرهتها وكرهت أني إضطررت الى تجربتها، فكنت أشعر إنني لم أستحق حدوثها لي… لكن النقطة التي تحول عندها كل شيء، كانت اللحظة التي قبلت بها الذي حدث لي وبما كتب الله لي. أولا شعرت بسعادة غامرة وبطمأنينة وبالرضا وبالقناعة. ثم تغير كل شيء، فالأمر الذي حدث لي إستمر تسعة سنوات مريرة، لكن لحظة قبولي بما كتب الله لي، وتوقفي عن التمني بعدم حدوثه، تغير كل شيء…

 

  1. الدعاء والإستغفار المتواصلين…

    فكما قال الله تعالى: (وقل استغفروا ربكم يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارآ) وفي آية أخرى (…يزدكم قوة الى قوتكم…) فهنالك فوائد عديدة للإستغفار منها أنها تزيل الهم والغم، وتجلب البسط والسرور، وتجلب الرزق وتورث محبة الله للعبد. وبالإضافة للإستغفار هنالك أدعية كثيرة يستطيع الإنسان أن يستعين بها في الشدائد، بل يجب أن يجعلها جزءآ من روتينه اليومي. هنالك دعاء أحبه كثيرآ وقد استعنت به عند شدة حصلت لي، فكنت كلما أشعر بالحزن أحاول أن أنسى وأشغل تفكيري بذلك الدعاء. فكان يشعرني بالطمأنينة والأمان، ولم يمر أربعين يومآ حتى زالت تلك الشدة عني… وأنا مقتنعة بأن الفضل للدعاء الذي كان على لساني طوال اليوم تقريبآ، وهو كالتالي:“لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمدلله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم. أن لا تدع لي ذنبآ إلا غفرته، ولا همآ إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضآ إلا قضيتها ياأرحم الراحمين.” ومن الضروري أن يوقن الإنسان بأن الله سيستجيب للدعاء حتى تحدث الإستجابة.

 

  1. العيش في اللحظة وعدم التفكير المستمر بالماضي وبالمستقبل…

    وهذا هو الوضع الطبيعي للأطفال، وهو السبب وراء شعورهم بالسعادة دائمآ. لكن ينسون ذلك كلما كبروا. لذلك ينبغي أن نعزز تلك العادة لديهم، لأن العيش في اللحظة هي السعادة بذاتها. والتفكير بالماضي والمستقبل بشكل مستمر يعمل على تشتيت الإنسان، ويسبب له الحزن، فلا يذوق لحظات الحياة الثمينة والتي هي الحياة بذاتها. وقد كتبت المقالة التالية عن هذا الموضوع: الدليل الوحيد الذي تحتاجينه للشعور بالسعادة التي يشعر بها الأطفال. أنا فعلآ وجدتها وسأخبرك عن تجربتي…

 

  1. تعزيز الثقة بالنفس…

    ضرورة التركيز على تعزيز الثقة بالنفس لدى الأطفال، فينبغي دائما الحذر عندما يتحدث الوالدان أمام أولادهم. فكل كلمة تصدر عن الوالدين لها أكبر الأثر في تكوين شخصية الأطفال وبالتالي مستقبلهم. أتذكر منذ الصغر أني لم أشك يومآ بصحة كل كلمة تقولها أمي أو يقولها والدي، فهما مصدر المعلومات والحقائق الصحيحة بالنسبة لي، كما هو الحال بالنسبة لجميع الأطفال. لذلك ينبغي على الوالدين أن يشعرا أطفالهم كل يوم أنهم أذكى وأجمل وأطيب أطفال في العالم، وأنهم قادرون على تحقيق أي شيء يريدونه. فعندما تتعزز الثقة بالنفس، فعلا يستطيع الأطفال السعي وراء طموحاتهم وتحقيقها، لأن الأساس موجود وهو الإيمان بإمكانياتهم وقدراتهم على تحقيق ما يريدون وعيش الحياة كما يرغبون.

 

  1. ضرورة السعي الى تحقيق كل ما يريدون والإعتماد على أنفسهم…

    فإذا جلست مكتوف الأيدي تنتظر أن يتحقق ما تريد وتتمنى وتدعوا، فستبقى طويلآ على تلك الحال. يجب على الإنسان أن يتحمل مسئولية كل ما يحدث له، ولا يجعل الحياة تمر وتمشي بينما ترمية يمينآ وشمالآ، ويكون جزءآ من خطط الآخرين، وبالآخر يقول هذا نصيبي، نعم هذا نصيبك لأنك سمحت بذلك، ولأنك عملت أو بالأحرى لم تعمل شيء لتحقيق سوى ذلك. أنا أؤمن بأن الإنسان يستطيع فعل أي شيء إذا سعى إلى ذلك. فأي شيء مهما بدا مستحيلآ يمكن تحقيقة خطوة بخطوة، لكن دائما فكر بأول خطوة ممكن القيام بها للوصول الى مبتغاك وقم بتلك الخطوة، بعد ذلك فكر بالخطوة التانية، وقم بها. وعلى تلك الوتيرة ستصل أخيرآ الى مبتغاك، بإذن الله طبعآ.

 

  1. الطيبة وحب التصدق ومساعدة الآخرين…

    ينبغي على كل أم زراعة الطيبة وحب التصدق ومساعدة الآخرين في أطفالها، لأن من قوانين الكون التي لا يستطيع أحد إنكارها أن كل شيء يفعله الإنسان يعود له يومآ ما أضعافآ. فثقي أنه فكلما قام أطفالك بمساعدة الآخرين سيجدون من يساعدهم عندما يحتاجوا الى ذلك، بالإضافة الى أن مساعدة الناس الآخرين هي من الأمور التي تشعر الإنسان بالسعادة والطمأنينة.

 

هذه النقاط التسعة هي الأساس الذي سأعتمده، لتقوية أطفالي ومساعدتهم على إجتياز المصاعب التي يمرون فيها في حياتهم، ولإبعاد الحزن عنهم، وجعلهم يحققون ويعيشون الحياة التي يختارونها. وأدعوا لنفسي ولكل الأمهات الراحة والطمأنينة وعدم القلق والخوف على أولادهم، لأن تلك من أصعب المشاعر التي تواجهها الأمهات. وأشجع جميع الأمهات على تربية أولادهم على أسس تقويهم وتساعدهم على الإعتماد على أنفسم لمواجهة محن الحياة. وأرحب بمقترحاتكم وأفكاركم فيما يخص هذا الموضوع لعلي غفلت عن نقطة مهمة، فأقوم بإضافتها الى قائمة المباديء التي أعتمدها…

 

من تأليف : زين

اترك تعليق

اترك رد